تمويل البحث العلمي... سبب أم نتيجة ؟

 

د. فيصل بن عبدالله المشاري

   

لا يخلو مجلس من المجالس التي يُتداول بها شأن التعليم العالي أو الجامعات، إلا ويتم التطرق لشأن البحث العلمي وتمويله. ودائماً تصل هذه النقاشات إلى خلاصة هي أن البحث العلمي في جامعاتنا أقل من المستوى المطلوب وتمويله أقل بكثير مما في جامعات ومراكز البحث في الدول المتقدمة. وتصل هذه النقاشات كذلك إلى نتيجة مفادها وجوب الإنفاق بسخاء على البحث العلمي وتخصيص ميزانيات أعلى له سواء عن طريق الإنفاق الحكومي أو الشركات الكبرى.

ومع اتفاقي مع النتيجة الأولى والتي تكشف ضعف مستوى البحث العلمي وضعف تمويله إلا أنني أرى أن النتيجة الثانية والتي تعنى بحل المشكلة غير مكتملة أو أنها لا يمكن أن تحل المشكلة الحقيقية. وفي اعتقادي أن تمويل البحث العلمي يأتي نتيجة لإجراءات وحلول لأساس المشكلة وأن التركيز على مجرد طلب زيادة التمويل ليس حلاً للمشكلة. حل المشكلة ومعالجتها يأتيان حينما نوفر عناصر البحث العلمي كاملة وليس التمويل فقط. وبأبسط مثال لا يمكن لتاجر أن يبيع في متجره إذا لم تكن لديه بضاعة وإذا لم يكن لديه بائعون وإذا لم يهيئ المكان المناسب لعرض البضاعة وتعريف الزبون بها.

دعونا نبسط الموضوع ونسأل سؤالاً أساسياً وهو: هب أن لدينا مبلغ مليون ريال لتمويل نطاق بحث معين وعرض ذلك المبلغ على إحدى الجامعات، فكيف يمكن لهذه الجامعة أن تستثمر هذا المبلغ وتجري البحث المحدد في المدة المحددة وتستفيد من هذه الفرصة التمويلية؟ في اعتقادي أن الجامعة ممثلة بكلية أو قسم محدد أو مركز بحث بها يجب أن يتوفر لديه أهم عناصر البحث وهم المتخصصون ممن يستطيعون قيادة البحث وإدارته، والباحثون ومساعدو الباحثين والفنييون. السؤال هنا ما المتوفر من هذا الطاقم؟ وبحسب خبرتي واطلاعي المحدودين فقد يتوفر المختصون ممن يستطيعون قيادة البحث وإدارته لكن أفراد البحث الآخرين غير متوفرين وكثيراً ما يلجأ الباحث إلى القيام بعدة أدوار تجعله يفقد السيطرة ولا يصل إلى نتيجة أو قد لا يكمل المشوار وإن أكمله فبعد انقضاء المدة المحددة بكثير. وعندها يحَّرم هذا الباحث على نفسه الدخول في بحث آخر وتكرار التجربة المريرة. وإن حصلنا أحياناً على ما يمكن أن نسميهم بالأشخاص المعجزات أو "السوبر مان" فإن وجودهم أولاً قليل ولا يمكن أن نجزم باستمرارهم في هذه المغامرات التي يمكن أن تقضي عليهم يوماً ما.

الكثير ممن يرغبون في أن نواكب الدول المتقدمة في البحث العلمي، قد اطلع على تجاربها ويعلم أن الأستاذ الجامعي الناجح الذي لديه أبحاث كثيرة هو من يملك الباحثين ومساعدي الباحثين الذين هم أساساً طلاباً للدراسات العليا ممن يعطون منحاً دراسية مقابل عملهم بالبحث ويتوجون في الأخير بشهادة ماجستير أو دكتوراه في أبحاثهم التي يعملون بها. وهؤلاء في الغالب من الطلاب المتفرغين تفريغاً كاملاً لهذا الغرض وهم في الغالب كذلك من الطلاب الأجانب غير المحليين، ممن يواصلون الليل بالنهار بالعمل في البحث والتجريب والمحاولة والدراسة وجمع المعلومات أو إجراء التجارب وتحليل البيانات وتفسيرها ومن ثم الخلوص إلى النتائج النهائية أو المرحلية، ويذهبون ويأتي غيرهم ليواصلوا المسيرة. ولا تجد أن الأستاذ أو البروفسور الجامعي يتدخل في التفاصيل أو يقوم بأدوار الباحثين أو مساعديهم فضلاً عن دور السكرتارية أو الفني البسيط، حيث إن الفريق بأكمله متوفر وممول من عوائد الأبحاث المالية، وكل هؤلاء يعملون في منظومة متكاملة يقودها هذا الأستاذ أو مركز البحث لتعطي مزيداً من التمويل ومزيداً من الأبحاث ومزيداً من النشر العملي ومزيداً من السمعة ورفعة مستوى الجامعة التي ينتمون لها وكل ما يدفع لهؤلاء من رواتب ومكافآت محسوب على ما يدفع للبحث العلمي. فالأمر بكل بساطة تدبير وإدارة، ولكن ليس باختزال الأدوار في شخص الأستاذ الجامعي.

ونعود لجامعاتنا لنرى مدى انطباق ذلك علينا. وما نجده هو أن الأستاذ لا يملك أن يستقطب طلاب الدراسات العليا الجادين ولا أن يعطي منحاً دراسية لهم من عوائد هذه الأبحاث بحجة اقتصار الدراسة على السعوديين فقط. وهؤلاء الطلاب السعوديون غير متوفرين في التخصصات المهمة والموجود منهم أقل تأهيلاً وغير متفرغين إذ إن المتفرغين وهم في الغالب الأفضل مستوىً يبتعثون للدراسة بالخارج ليفيدوا تلك الجامعات هناك. كما أن الأستاذ لا يملك أن يوظف مساعدي الباحثين والفنيين المتميزين بشكل دائم أو شبه دائم بسبب فرض السعودة على الجامعات حتى في الوظائف الحساسة أو بسبب عدم وجود شواغر. وكما أن الليل لا يمكن أن يقوم مقام النهار، فإن غير المتخصص لا يمكن أن يقوم مقام المتخصص. باختصار فإن البحث العلمي يحتاج إلى كوادر وترتيبات بشرية وفنية هي أهم بكثير من التمويل، والتمويل في رأيي يأتي نتيجة لوجود هذا الكيان المستعد للبحث العلمي بنظامه وكوادره وأسلوبه في استقطاب الباحثين ومساعديهم. وأتذكر حينما كنا نراسل الجامعات الأمريكية بغرض الحصول على قبول لدراسة الدكتوراه كيف يرد علينا الكثير منها بقولهم إن ليس لديهم قبول بتمويل ذاتي من الطالب بل جميع طلاب الدراسات العليا على تمويل ومنح من الأبحاث التي يستقطبها الأساتذة والأقسام لضمان توجيه البحث لديهم، وعدم الانشغال مع طلاب لا يستفيدون منهم في إثراء البحث العلمي لديهم.

أرجو أن تتنبه جامعاتنا لأساس المشكلة ونتعاون في وضع الحلول لها لا أن نستمر في التغني بالمشكلة فقط أو أن نعلق المشكلة على ميزانية البحث العلمي فقط.

المصدر : الرياض - العدد 14143  

 

إلى الصفحة الرئيسية