![]() |
|
بنية المجتمع العراقي:محاولـة فـي تفكيـك التناقضـات د. سيّار الجميل
لقد اختلفت الرؤى حول العراق والعراقيين كثيرا، وهذا دليل على ان المجتمع العراقي يتميز بثقل موروثاته وتنوع ثقافاته وتعدد اجناسه.. وبالرغم من ان الثقافة العربية قد صبغت العراق وان العراقيين قدموا لها وللتاريخ وللوجود ابرع التكوينات الحضارية منذ فجر السلالات حتى اليوم.. وكان العراقيون برغم تنوعهم بين الماضي والحاضر قد قدموا لهذا الوجود منجزات كبرى، الا ان مهد الحضارات شهد العديد من المجتمعات عبر العصور وقد تنوعت تنوعا كبيرا. ان كل ما نجده اليوم في مجتمع العراق هو نتاج سلاسل طوال من التاريخ الذي ينقسم عندي الى قسمين (وقد اوضحت ذلك بالتفصيل في فلسفة التكوين التاريخي)، قسم سياسي يمثّل منتهى البشاعات وعلى نقيضه قسم اجتماعي يمثل اروع الحضارات! ان مجتمع العراق اليوم يعّبر عن حالات عقيمة نتيجة افظع الاهوال التي مر بها، وقد اجتمعت عنده ركامات من التناقضات وافتقد بعضا من انسجاماته وتعايشاته القديمة بحكم تفاقم اسباب وتفاعل عوامل داخلية وخارجية على امتداد خمسين سنة مضت. دعونا نر منتهى الطيبة والوداعة التي يقابلها منتهى القساوة.. اروع التعابير والجماليات واخصب العواطف تقابلها اسوأ التعابير.. اقوى العلاقات الحميمية والمحبة تقابلها سلوكيات عدوانية.. عشق للعمل وتفان في اداء الواجب وحب الوطن يقابله فقدان الشعور بالمسؤولية.. الخ. من الحالات التي تستدعي الانتباه والتأمل، كوننا لا نجد حالات شبيهة بها ابدا لدى مجتمعات اخرى، والتناقضات ليست دليل ضعف بل دليل قوة في مفاصل المجتمع – حسب رأي كارل مانهايم -. ان ما حدث من تغيير في العراق لم يصب صدام حسين لوحده وزبانيته ودولته حسب، بل اسقط كل الالهة التي كانت تعشّش في المجتمع منذ زمن طويل. التفت الي صديقي اللبناني وهو مختص معروف ومثقف بارع قائلا: لم اكن اعرف العراق الا بعد العام 2003! اجبته: انني انا العراقي فوجئت بالعراق وكل يوم سيضفي مفاجآت كثر! العراق لم يكن واضحا على العالم بكل حقائقه ابدا.. كان عراقا مزيّفا مزيّنا وكأنه خارج للتو من الف ليلة وليلة من دون ان يدرك الخلق ان مجتمعه هو واحد من اكثر المجتمعات المعقدة في هذا الوجود. ومن هنا تأتي اهمية هذا " الموضوع " الذي يحتاجه كل عراقي يهتم ببلاده وبمستقبله وله القدرة على ان يشارك حقيقة في تغيير المنظومة السلوكية للمجتمع والذي لا يمكن ابدا ان يبقى على وضعه الحالي وقد ورث كل اسلاب الماضي الصعب وبقاياه المعطلة. وهنا اعترف بأنني ساتحدث في موضوع خطير جدا بالرغم من كونه ليس موضوعا سياسيا ولكن السياسة نتاجه شئنا ام ابينا.. كنت سابقا اسوة بكل العراقيين اخاف ان اتكلم بصراحة لاننا نخشى بطش الدولة، وصرت اليوم اخشى بطش المجتمع. بقدر ما كانت الدولة في عهد البعثيين غليظة الطبع وقاسية الاساليب وتفزع كل الكائنات.. بقدر ما غدا المجتمع اليوم بمنتهى القساوة والبشاعة يعاني من همجية مرعبة.. بكل انشقاقاته وانقساماته وتحزباته وهلامياته.. واذا كانت الدولة والنظام السابق عدوين لدودين ومعروفين للجميع، فان المجتمع اليوم بكل تداخلاته لا يمكن ان نغدو اعداء له، وخصوصا النخب التي ولدت في رحمه في الخمسين سنة الاخيرة من القرن العشرين. سأعالج هذا " الموضوع " من خلال ثلاثة محاور، هي: محور اول يتّصل بادوات الفهم المنهجي ونقد المصادر وتحليل مرجعيات فهم هذه " البنية " الصعبة. ومحور ثان يتعّلق بتفكيك مضامين التناقضات من خلال تحليل مكونات البنية الاجتماعية على اسس منهجية متعددة، وهو العمود الفقري لهذا البحث.. ومحور ثالث يتعلق بالاستنتاجات التي خرجت بها من هذا الموضوع ورسم صورة مستقبلية لما ستغدو عليه حياة العراق الاجتماعية في القرن الواحد والعشرين مقارنة بما كانت عليه في الماضي.. واتمنى ان اقدم بعض التأملات بصدد ما سيصادفه مجتمعنا من تحديات في المستقبل المنظور وحتى في المستقبل البعيد. المنهج: تفكيك البنية الاجتماعية دعوني اوضح المنهج الذي سأتبعه في هذه " المحاضرة " التي أراها مهمة جدا ليس في مضمونها وفلسفتها حسب، بل في منهجها والاستنتاجات التي سأخرج منها خصوصا وانني لابد ان أوضح لاسماعكم بأن مثل هذا " الموضوع " على اشد ما يكون من التعقيد والتشابك ليس بسبب تعقيدات البنية الاجتماعية العراقية بحد ذاتها حسب، بل لاسباب متعددة منها اننا نتحدث عن اقدم مجتمع في الدنيا اذ انه الوحيد الذي يمتلك تاريخا كلاسيكيا يكاد يكون الاعرق بين مجتمعات الدنيا قاطبة.. كما اننا نتحدث عن مجتمع لا يقتصر على عمقه الزمني، بل على مركزيته الجغرافية في كل من العالم القديم وعالم اليوم ايضا.. اما البعد الاخر، فان مجتمع العراق مزيج من بقايا ثقافات وحضارات متنوعة وعديدة، فضلا عن كونه فسيفساء من السلوكيات المتناقضة التي افرزت هذا " التنوع " في الالوان وهذا التعدد في الاطياف. ثمة بعد آخر طالما يشدد عليه البعض عندما نجد تأثير المناخ القاري الحار جدا صيفا والبارد جدا شتاء على امزجة الناس.. وهنا يعتبر مثل هذا " المجتمع " من مجتمعات الندرة المتنوعة العجيبة الفاصلة تاريخيا وجغرافيا ومناخيا وحضاريا على حد تعبير كارل مانهايم ايضا في تصنيفه انواع المجتمعات العالمية. من هنا لابد لي ان احدد جملة مختزلة من الخطوط العريضة التي يمكن ترسيخها من اجل فهم طبيعة البنية الاجتماعية العراقية فهما حقيقيا لا مزيفا، وان تدرك كل الاولويات والابعاد في ظل اكثر من منهج يمكن اتباعه بعيدا عن كل ما كان يقيد العراقيين في الماضي الصعب من قيود واغلال.. واعتقد بان الاجيال القادمة ستكون اكثر قدرة على استيعاب تلك القيود والاغلال التي حكمت عقول العراقيين ردحا طويلا من الزمن.. لتبدأ حياتهم تتخذ له اساليب من نوع آخر في التفكير والتصرف والسايكلوجية المنفتحة التي قلما نجدها اليوم حتى لدى النخب العراقية التي يقال عنها انها متحررة من كل القيود الثقيلة، مقارنة بما حظيت به النخب العراقية في كل من الخمسينيات والستينيات في القرن العشرين، ولعل تحليلات جاك بيرك لقيمة تلك النخب تمنحنا الثقة بأن المجتمع العراقي قادر على العطاء والابداع عندما تمنحه حرياته الثقافية والاجتماعية قبل ان تطلق يده كي يعبث باسم الديمقراطية والحريات الشخصية. ملاحظات نقدية ثمة ملاحظات نقدية وأساسية لابد أن اثيرها ذلك ان قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد كان اول قسم علمي يعتني بهذا العلم في منطقة الشرق الاوسط.. ولكنه بقي قسما خاملا باستثناء جهود بعض الزملاء الذين اشتغلوا على المجتمع العراقي.. ويعد قسم علم الاجتماع اخطر قسم علمي في العراق نظرا لتوجس الدولة العراقية بمختلف انظمتها السياسية من علم الاجتماع.. وعليه، فان معظم كادر هذا القسم عملوا على بحوث نظرية ومحاضرات ناشفة لا تمت بأي صلة للمجتمع العراقي.. والاسباب عدة منها قبل كل شيء تأثير الخوف من السلطة لمجرد التلميح الى اي تحليل علمي معمّق للمجتمع العراقي والخوف ليس من السلطة، بقدر ما هو الخوف من المجتمع. وعليه، نجد ان اي محاولة في فك الغاز وبنية المجتمع وفضح تناقضاته سواء في مجال الكتابة والنشر او في مجال المحاضرة والتدريس سوف لن تجد لها اي فرصة لتحقيق اي نتائج تعالج مشكلات المجتمع وتساهم في حل معضلاته الجسيمة. لم يعد التحليل المادي وصراع الطبقات هو المنهج الاساسي في الدراسات الاجتماعية اليوم، انما تستخدم اليوم عدة مناهج لا تعتني بالطبقات حسب، بل تعتني بالانساق والوحدات الاجتماعية، ثم تحليل انثربولوجية ثقافات المجتمع الواحد ومنهج القرابة في التأصيل والبحث عن عوامل ليست اقتصادية بالدرجة الاساس.. فالقيم الاجتماعية حسنة كانت ام سيئة في مجتمع كالعراق هي اكبر في كثير من الاماكن والاحيان من القيم المادية.. ثم هناك منهج المحليات والقوى الفاعلة لمعرفة الاصناف المتنوعة في المجتمع وخصوصا في مدن عريقة بالمهن فيها مثل الموصل وبغداد.. ثمة منهج يلتصق بكتابات جاك بيرك الذي اعتنى بالثقافة الاجتماعية والجماعات والنخب ودراسة منتجات ما تعبر عنه في حياتها الاجتماعية قبل اي شيء آخر. اما منهج دراسة التنوعات الاجتماعية، فلا يمكن تفكيك البنية الاجتماعية العراقية اليوم من دون الاستعانة بدراسة التنوعات لمعرفة حالة الانسجام والتناغم من ناحية، ومعرفة حالات التناقض والتباين من نواح أخرى. واعتقد اعتقادا جازما بأن حالات التناقض والتباين هي المسيطرة والاكثر هيمنة على اغلب فصائل المجتمع العراقي.. وعنها ولدت الاحقاد والكراهية والبغضاء والبلاوي السوداء. تحليل مصادر المعلومات مصادر معلوماتنا متنوعة ولكنها صعبة المنال نجحت على مدى ثلاثين سنة من الحصول عليها من توالي الايام والسنين.. انها تتصل بتاريخ المجتمع قبل واقعه، وهي تتنوع ما بين الرواية والحدث والنص.. وهي مضامين مخطوطات قديمة وارشيف تقارير سرية الى رحلات وسالنامات ومعلومات رسمية ووثائق واضابير ومذكرات ورسائل تتوزع في هذا العالم، ناهيكم عن ما يحتفظ به العراق من ذخائر ثقافية وسياسية وسرية ورسمية ناهيكم عن احصاءات سكانية فضلا عن موروث ثقافي هائل لا يمكن السيطرة عليه بسهولة يمتد من فولكلوريات وقصص وتراث اجتماعي وامثال شعبية وحكايات واساطير ومنتجات ادبية وفنية وتعابير ومصطلحات عراقية بحتة.. الخ كلها لا تملك عشر معشارها مجتمعات اخرى. من الامور الاخرى التي اود الكشف عنها ان سجلات المحاكم الشرعية العراقية ودوائر الطابو والتسوية والضرائب والنفوس.. وغيرها تلقي بكم هائل من المعلومات الرسمية التي لا تشوبها شائبة، ولكنني وجدت ان معلومات المرجعيات الدينية مبتسرة منذ القدم، فاغلب السجلات التي سمح لي الزمن ان اطلع عليها لا تعتني بالمعلومات الاجتماعية عن جماعاتها وفئاتها الاجتماعية. ثمة امر آخر، اذ ان كل ما انتجه المبدعون من الادباء والروائيون العراقيون المحدثون يقدّم مادة ثرية في معرفة التوغّل في مفاصل المجتمع وتعّلم جملة هائلة من السلوكيات شريطة معرفة ربطها بالواقع ناهيكم عن كيفية فهم تلك الادبيات التي تعج بها حياة العراقيين المحدثين. ولقد وجدت ان رسائل واطروحات الدراسات العليا عن مجتمع العراق هي اقوى مادة وتحليلات في تلك التي انجزت في جامعات غير عراقية مقارنة بمثيلاتها في جامعة بغداد. ان ما يمكنني الاشارة اليه هو ان ما قدمه رجال الثقافة العراقيين من غير الاكاديميين في القرن العشرين من تجميع معلومات عن المجتمع هي اكثر بكثير من تحليل رجال الاكاديمية العراقية لتلك المعلومات.. ان اسماء مثل: انستاس مارى الكرملي وغروترود بيل والليدي آن بلنت وعباس العزاوي ومعروف الرصافي وبطرس نصري وادي شير ومحمود فهمي درويش ومصطفى جواد ويعقوب سركيس وصديق الدملوجي وامين المميز وداود الجلبي ومحمد امين زكي ويوسف رجيب ورؤوف الغلامي وجعفر الخليلي وعبد الرزاق الحسني وسعيد الديوه جي وجرجيس فتح الله وعبد الرحمن التكريتي وبابو اسحق ومير بصري ويوسف حبي وعبد الحميد العلوجي وسهيل قاشا وغيرهم (ممن فاتني ذكرهم)، قد قدموا معلومات عن الاقليات والاديان والامثال الشعبية والطوائف والاصناف والعشائر اكثر بكثير مما قدمه اكاديميون عراقيون في القرن العشرين. المهم ملاحظته هنا ان علماء الاجتماع من العراقيين وجملة كبيرة من رجال الفكر العراقيين لم تستطع السيطرة على هكذا خزين اجتماعي ثر من اجل تحليل المجتمع العراقي، وباسثناء محاولة او اثنتين من قبل بعض الاكاديميين العراقيين، فان المجتمع العراقي بطوله وعرضه لم يدرس حتى يومنا هذا دراسة حقيقية، او ان تفكك تناقضاته بشجاعة متناهية و ان تعالج جملة هائلة من عوامل الخلل فيه خصوصا وان تناقضاته هي التي افرزت حياته السياسية في القرن العشرين واصبح كل من المجتمع والدولة رهينة بيد موروث صعب جدا لا يمكن تخيله ابدا. صحيح ان مجتمعنا العراقي اليوم لا يتجاوز الثلاثين مليونا من البشر، ولكن بنيته الاجتماعية معقدة جدا على اشد ما يكون التعقيد ليس بسبب التنوع والتعدد والالوان العراقية الزاهية، بل بسبب الارث الثقيل لكل من عمق التاريخ والمركزية الجغرافية التي تمتع بها العراق منذ القدم. ثمة دراسات عراقية وغير عراقية يمكننا ان نشير اليها، ولكنها لم تعتن بالمجتمع بقدر ما اعتنت بالدولة اولا وبتحليل العلاقات الاجتماعية ومنتجاتها وهنا يبرز امامنا عمل المؤرخ الراحل حنا بطاطو الذي صرف عليه سنوات طويلة واخرجه بالرغم من كل اتعابه فيه الا انه عني بالطبقات الاجتماعية ومنتجاتها السياسية من دون فهم الاليات التي كانت تعمل في سياقات متنوعة ليس في السياسة حسب، بل حتى في اصغر الوحدات الاجتماعية المعقدة. ان عمله يكاد يكون اثرى عمل لتاريخ اي مجتمع في منطقة الشرق الاوسط، ولكنني ارجع لاقول بأن العراق اكبر بكثير ايضا من كل اتعاب مؤرخ واحد استطاع بقدرة قادر نجهلها حتى اليوم الوصول الى ارشيف العراق السري بسهولة لا يستطيع احد منا نحن المختصين العراقيين ان كان سيصل اليها ابان القرن العشرين. ان منهج بطاطو الذي استلهمه عن ماكس فيبر في تأثير القرابة الاجتماعية قد خدمنا في حقيقة الامر خصوصا وانه اعتمد المعلومة والرقم والجدولة الحسابية على عواهنها مما اوقعه في اخطاء جسيمة، في حين انه لم يتوغل في الذي يكمن وراء المعلومة والرقم والحدث والشخصية بحد ذاتها. ثمة دراسات اخرى لابد ان اشير الى اعمال مفيدة ربما لم تعتن كفاية بالبنية الاجتماعية العراقية، ولكنها حفلت بتفسيرات من نوع آخر تساعد في فهم المعلومات والاحداث والوقائع ولكنها لا تساعدنا البتة في فهم الظواهر والانساق واساليب التفكير ووراثة التقاليد ومؤثرات البيئة والتربية البيتية.. اشير في هذا المجال ايضا الى اعمال رصينة نشرها كل من: لونكريك وجاك بيرك والبرت حوراني وهاريس جورج لورانس وكوتلوف وغسان العطية ومارتن فان برونسين وجون ادموند والبرتين جويده وفالح عبد الجبار وكمال مظهر وبيتر وماريان سلاكليت ودينا خوري وايلي خدوري وهالة فتاح وجبار قادر غفور وخلدون ناجي معروف وعبد الجليل الطاهر وحسين علي محفوظ وسامي سعيد الاحمد وابرام شبيرا ومعن خليل عمر ورشيد الخيون وفوزية العطية وهاشم الجنابي وغيرهم. ملاحظات على بعض الدراسات الاخيرة لقد نشر خلال السنتين المنصرمتين ركام هائل من المنشورات والكتب عن العراق وخصوصا باللغة الانكليزية، ولا يمكن للمرء ان يسيطر على قراءة ذلك مهما اوتي من زمن وجهد.. ولكن لابد لي ان اقف عند ابرز المراجع التي يمكنني تحليلها هنا والتي نشرها اساتذة وكتاب غير عراقيين وغير عرب.. ربما نشيد بجهودهم البالغة في ما قدموه للعالم عن العراق.. ولكن ليس بالصورة الحقيقية التي يدركها العلماء العراقيون مهما اوتيت للاخرين من فرص وامكانات.. وخصوصا من الناحية الاجتماعية. ان اعمالا رصينة كالتي نشرها مؤخرا كل من: روبرت اولسن وجيرارد غايلياند وساره شيلدز واريك ديفس واسرائيل كرشوني وتوبي دوغ وكنعان مكية ووليام كليفلاند وستيفن كلين وجوزيف ساسون ونانسي بيرك ويتزاك نقاش وافرا بينغويو.. وغيرهم لابد ان تكون عند اهتمام العراقيين، ليس لكتابة عروض عنها، بل لاخضاعها للنقد والدراسة.. ثمة مواقف مسبقة من حالات بعينها، وثمة تجاهل لعناصر من المجتمع، ولا استطيع بهذه العجالة ان اوضح اعتراضاتي على كثير من المعلومات التي سيقت خطأ في كتب هؤلاء وغيرهم.. اذ لا يمكن لأي محلل سياسي او مختص اكاديمي ان يغامر في تقديم معلومات عن المجتمع العراقي منقولة قيل عن قال من دون معايشة العراقيين ومعرفة مجتمعهم بكل تعقيداته وجزئياته وتفصيلاته. القسم الثاني: المضمون وتفكيك البنية ...الخارطة الاجتماعية ومعاييرها لم ترسم حتى اليوم اي خرائط اجتماعية وهي ليست خرائط سكانية او خرائط في الجغرافية البشرية، وهنا تأتي اهمية دراسة البنية الاجتماعية للعراق والتعرف على طبيعة الفسيفساء الاجتماعي الذي يتحدث به الجميع من دون معرفة كنه تفصيلاته ومعلوماته على وجه الدقة.. ومن خلال التجربة المتواضعة لي فانني اجزم بأن اي عراقي مهما كان صنفه او عرقه او بيئته او دينه أو طائفته.. لم يعرف العراق بعد من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه.. فكيف سيعرفه الغرباء معرفة حتى وان كانت سطحية!؟؟ وبقدر ما كان الامر مسكوتا عنه على مدى اكثر من خمسين سنة نظرا لأن العراقيين كانوا قد حبلوا بالسياسة وجبلوا بها واكلوها اكثر من الخبز، واهتمامهم بالحركات السياسية والنزعات الايديولوجية والبيانات الثورية والشعارات القومية اكثر من اهتمامهم بالمجتمع فان هذا لم يكن سببا كافيا، اذ ان المجتمع نفسه لم يعلن عن مخفياته التي لا تعد ولا تحصى..!! نعم، كان المسكوت عنه اكبر حجما من المعلن عنه وما يعرفه هذا عن ذاك هو قليل جدا لا يستوفي ابدا ومتطلبات معرفة المجتمع معرفة حقيقية.. فعندما يغني ابن الهور اية اغنية من اغنياته لا يمكن ان يفهم معانيها ومغازيها ليس ابن الموصل، بل حتى ابن الفرات الاوسط! والاثنان من ارومة واحدة.. ثمة امر آخر، ان حكم البعثيين للعراق قد ساعد كثيرا على كتم الاشياء من دون التعريف بها اما استخفافا بها او عدوانا عليها ام تجاهلا اياها.. ولما سقط حكم صدام حسين، بدأ العراقيون انفسهم يتعرفون لأول مرة على جملة هائلة من آليات بعضهم البعض الاخر. ان العديد من العراقيين قد فوجئ وهو من ابناء الخمسين عاما باشياء كثيرة لم يتصورها انها تكمن في العراق ولدى العراقيين انفسهم.
|